حكايات رجل يعيش في بغداد 2366053869_075685b3b7_m




منذ سنين و أنا أتهرب منه, اليوم سوف أواجهه لا بد أن اكسر الحاجز ...لن أخاف , , بعض الأحيان الهروب أقسى من المواجهة والاختباء اشد ذلا من الهزيمة, سأذهب وليكن ما يكون , فكرت بكل هذا وأنا أزر قميصي المكوي بعناية , بحثت عن ساعتي وأنا اردد: لن أخاف سأذهب, مسحت نظاراتي الطبية وتأكدت من أوراق الهوية والنقود وهاتفي النقال ونظرت نظرة أخيرة إلى انعكاس وجهي في المرآة وخرجت , فتحت مزلاج الباب ...ترددت لحظة ولكني عبرت العتبة بإصرار, مشيت في الشارع ويدي تحيي شباب الحي الواقفين عند الأركان ومفترقات الشوارع والمحاصرين في مناطقهم بين العنف والهدوء الذي يسبقه..اشتريت علبه سجائر من الرجل العجوز الذي ينصحني في كل مرة بان اترك التدخين والذي يهوى إسداء النصائح ,تركته ينصحني ومشيت وأنا أحاول الابتسام ..ليس هذا وقتك يا أيها العجوز ..أشعلت سيجارة وأخذت نفسا وكأني اشهق استعدادا للغوص , تاكسي !! توقفت السيارة أمامي بحزم وسائقها الشاب ينظر ألي وهو مبتسم . لم أضيع الوقت بالسلام و أطلقت عبارتي في وجهه :إلى الأعظمية , لم يجب نظر إلي بنفس الابتسامة وحرك سيارته بحثا عن زبون آخر ! حسنا بداية غير مشجعة . أما الثاني فقد أجاب بجديه أكثر : آسف عندي عائلة ! لم انجح بإقناع احدهم بالذهاب إلى هناك ولكن في النهاية احدهم اقترح أن يوصلني إلى الشارع الرئيس القريب من مبتغاي وستكون المهمة أسهل من هناك . كان الجو رائعا والشوارع مزدحمة , وصلت وصعدت مرة أخرى إلى الاعظمية ..سيارة الأجرة تخترق الدروب الافعوانية المليئة بالكتل الإسمنتية والتي يحرسها رجال مسلحون بعيون مسلحة بالشك , أيه..إنها الدروب نفسها التي مررت عليها كثيرا حين كانت مدرستي هنا , حين كنت فتى غضا , لم أمر من هنا منذ أعوام, تغيرت الأشياء كثيرا وآثار الرصاص والشعارات المقيتة المشطوبة صارت و كأنها تشبه التجاعيد التي تملئ وجوه العجائز. بدأت الأيام ترجع مثل شريط مصور و بدأت أعود تلميذا في إعدادية الأعظمية ..هنا كنت انزل من الباص , هنا كنت التقي أصدقائي , على هذا المقهى كنا نجلس , من أطلال هذا المطعم الصغير كنا نشتري طعامنا البسيط , هنا دق قلبي حين مرت صبية بشعر اسود طويل كالأرجوحة وعينين كحيلتين ولكني اليوم لم آتي إلى هنا إلا كي أواجه الخوف , الخوف من كل شيء من أي شيء , جعلت للخوف دلالة رمزية هي تلك الشوارع التي قطعتها إلى هنا ..الشوارع التي تثير أسماؤها الرعب حين أقف عليها واقطعها وأعود منها سالما ..حينها أكون قد انتصرت, اليوم جئت كي الآمس أعمدة شارع عشرين , اليوم جئت كي احتفل بالمولد الذي يقام قي كل هنا في كل عام ولكنه توقف منذ سنين بسبب ما يجري, ولكن اليوم ..الشوارع تمتلئ لأول مرة منذ سنين , الشباب يبتسمون بفرح مندهش مثل اندهاش سقوط الماء البارد على الرأس نزلت وقررت المشي , لم يسألني احد من أين أنت؟ كانت قلوبهم تستقبل الجميع لم اعد اخاف , لم اعد انتظر أن اعدم في احد الشوارع الضيقة بعد تحقيق سريع , هؤلاء هم الناس الطيبون الذين اعرفهم ! العاب نارية بسيطة تطلق من أيدي الصبية , مشيت في وسط الزحام نحو مرقد الإمام أبي حنيفة حيث الاحتفال , كان الناس يبتسمون ابتسامه من القلب ولكنهم لم يكونوا يبتسمون فرحا بسبب المولد فقط وإنما يبتسمون لأنهم انتصروا فقد كانت هذه الشوارع قبل زمن ليس بطويل شوارع أشباح والنفايات تملؤها ورجال ملثمون بعيون شريرة يقفون عند المفاوز والمفترقات ,. أتطلع إلى المراهقات بمشيتهن الخجولة وقلوبهن التي ستمتلئ يوما بالحب وهن يحاولن أن يجعلن أعمارهن تبدو اكبر ...إنها الحياة تعود إلى هنا...الشموع و ألآس والحناء تملئ الشوارع وأصوت المناقب النبوية القادمة من مكبرات الصوت تحيطنا بجو روحاني ...كم كنت يائسا منك يا عراق! كنت غارقا في الفرح الذي سيأتي والحزن الذي مضى إذ سمعت من يناديني بصوت أجش! استدرت بوجل ..نظر شاب عملاق يبدو انه من سكان الحي, نظر في عيوني مباشرة وكأنه يريد أن يخترقها ..تقدم نحوي.... احتضنني ورفعني عن الأرض وضمني إلى صدره !!..وهمس انا خالد هل تذكرتني يا نبيل؟..وأجهش بالبكاء.